الشيخ محمد علي طه الدرة

106

تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه

فالمسجود له في الحقيقة هو اللّه تعالى ، وجعل آدم قبلة سجودهم تعظيما لشأنه ، أو سببا لوجوبه ، كما جعلت الكعبة قبلة للصّلاة ، والصّلاة للّه ، فمعنى « اسجدوا له » أي : إليه . وإمّا المعنى اللّغوي ، وهو التواضع لآدم تحية ، وتعظيما له ، كسجود إخوة يوسف له في قوله تعالى : وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً فلم يكن فيه وضع الجبهة بالأرض ، إنّما كان الانحناء ، فلمّا جاء الإسلام ؛ أبطل ذلك بالسّلام . انتهى جمل نقلا من تفسير الخطيب . قال القرطبي رحمه اللّه تعالى : وهذا السجود المنهيّ عنه قد اتخذه جهال المتصوّفة عادة في سماعهم ، وعند دخولهم على مشايخهم ، واستغفارهم ، فيرى الواحد منهم إذا أخذه الحال - بزعمه - يسجد للأقدام لجهله سواء أكان للقبلة أم غيرها جهالة منه . ضلّ سعيهم ، وخاب عملهم ! انتهى بحروفه . فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ مأخوذ من : أبلس ، يبلس ، إبلاسا بمعنى سكت غمّا ، وأيس من رحمة اللّه ، وخاب ، وخسر ، وهو من الملائكة ، كذا قال عليّ ، وابن مسعود ، وابن عباس ، - رضي اللّه عنهم - وهو اختيار أبي الحسن ، وقال ابن عباس : وكان اسمه عزازيل ، وكان من أشرف الملائكة ، وكان من أولي الأجنحة الأربعة ، ثم أبلس بعد ، فلمّا عصى اللّه ؛ غضب اللّه عليه ، فلعنه : فصار شيطانا ، ولأن الأصل في الاستثناء أن يكون من جنس المستثنى منه ، ولهذا قال تعالى له : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ الآية رقم [ 12 ] من سورة ( الأعراف ) ، وقوله تعالى في سورة ( الكهف ) رقم [ 50 ] : كانَ مِنَ الْجِنِّ معناه : صار من الجانّ ، كقوله تعالى في سورة ( هود ) رقم [ 43 ] : فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ . وقيل : الاستثناء منقطع ؛ لأنه لم يكن من الملائكة ، بل كان من الجنّ بالنّصّ ، قال سعيد بن جبير رحمه اللّه تعالى : إنّ الجنّ سبط من الملائكة ، خلقوا من نار ، وإبليس منهم ، وخلق سائر الملائكة من نور . وقال ابن زيد ، والحسن ، وقتادة أيضا : إبليس أبو الجن ، كما أنّ آدم أبو البشر ، ولم يكن ملكا ، واستدلوا بقوله تعالى في سورة ( الكهف ) : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ رقم [ 51 ] أي : عصى اللّه ، واستكبر عن أمره تعالى ، والملائكة لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ سورة ( التحريم ) الآية [ 6 ] ، واستدلوا بأنّه كان له ذرية بنصّ القرآن : أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي . ولا نسل للملائكة قطعا ، وعن الجاحظ : إن الجنّ والملائكة جنس واحد ، فمن طهر منهم ؛ فهو ملك ، ومن خبث منهم ؛ فهو شيطان ، ومن كان بين بين فهو جنّ . وهو غير مسلّم له . أَبى : ماض من الإباء ، وهو الامتناع ، وأشدّه . وإباء اللّه : قضاؤه ألا يكون الأمر ، أو عدم قضائه أن يكون ، قال تعالى في صيغة المضارع : وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ الآية رقم [ 32 ] من سورة ( التوبة ) ، ويكون متعديا إذا كان بمعنى : كره ، ولازما إذا كان بمعنى : امتنع ، وهذا الفعل يتضمن النفي ، والإيجاب ؛ لأنه بمعنى : لا يقبل إلا . . . إلخ ،